أربعة رواد فضاء واختبار مصيري يرسم مستقبل الاستكشاف الفضائي
في قلب الليل، وبين أضواء الشاشات الزرقاء التي لا تنطفئ داخل مركز التحكم التابع لناسا، كان الصمت أكثر ضجيجاً من أي صوت.
أعين المهندسين معلقة على تدفقات لا تنتهي من البيانات. خرائط مدارية تتراقص على الشاشات العملاقة. ومئات الخبراء يتابعون كل تفصيل صغير وكأنه قد يحدد مصير عقود من العمل.
في الخارج، تقف الصواريخ شامخة على منصات الإطلاق. وفي مصانع ومختبرات ممتدة عبر الولايات المتحدة وأوروبا، تستمر الاستعدادات لواحدة من أكثر المهمات الفضائية تعقيداً منذ عصر أبولو.
إنها مهمة “أرتميس ٣”.
مهمة لا تهدف فقط إلى الوصول إلى القمر، بل إلى إثبات أن البشرية ما زالت قادرة على العودة إليه.
بعد أكثر من نصف قرن على آخر خطوة بشرية فوق التراب القمري، تستعد وكالة ناسا لكتابة فصل جديد في تاريخ الاستكشاف الفضائي. لكن هذه المرة، الطريق إلى القمر لا يمر عبر رحلة مباشرة، بل عبر اختبار بالغ الخطورة قد يحدد مستقبل البرنامج بأكمله.
القمر… الحلم الذي لم يمت
منذ أن غادر آخر رواد أبولو سطح القمر عام ۱٩٧٢، تحول الجرم الفضي المعلق في السماء إلى ذكرى تاريخية أكثر منه هدفاً عملياً.
كبرت أجيال كاملة وهي تشاهد صور نيل أرمسترونغ وباز ألدرين وكأنها تنتمي إلى زمن بعيد انتهى بلا عودة.
لكن خلف الكواليس، لم يتوقف الحلم.
على مدى عقود، واصل العلماء والمهندسون دراسة الطرق التي يمكن أن تعيد البشر إلى القمر بصورة دائمة، لا كزوار عابرين بل كمستكشفين يؤسسون لوجود طويل الأمد خارج الأرض.
واليوم، يبدو ذلك الحلم أقرب من أي وقت مضى.

رائد الفضاء في وكالة ناسا راندي بريزنيك يطرح لالتقاط صورة شخصية داخل مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا عام ٢٠۱٩. (جويل كوفسكي/ناسا)
المهمة التي تفصل بين النجاح والفشل
عندما أطلقت ناسا برنامج أرتميس، كان الهدف المعلن واضحاً: إعادة الإنسان إلى سطح القمر.
لكن مع تقدم العمل، اكتشف المخططون أن الطريق أكثر تعقيداً مما تصوروا.
فمركبات الهبوط الجديدة لم تُختبر بالكامل.
وأنظمة الالتحام الفضائي لم تعمل بعد في الظروف المطلوبة.
كما أن العديد من التقنيات الحيوية التي ستعتمد عليها المهمات القمرية المستقبلية لا تزال بحاجة إلى إثبات قدرتها على العمل خارج المختبرات.
لهذا السبب، قررت ناسا التراجع خطوة إلى الخلف قبل التقدم خطوة عملاقة إلى الأمام.
وهكذا وُلدت مهمة أرتميس ٣.
بدلاً من التوجه مباشرة إلى سطح القمر، ستبقى المهمة في مدار أرضي منخفض، حيث سيجري الطاقم سلسلة من الاختبارات المعقدة التي تحاكي ظروف الرحلات القمرية المستقبلية.
قد يبدو ذلك أقل إثارة من الهبوط على القمر، لكنه في الحقيقة أخطر بكثير.
فالهدف ليس استعراض الإنجازات، بل اكتشاف نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى كوارث في الفضاء السحيق.

يظهر رائد الفضاء في وكالة ناسا ومهندس الرحلة ٦٨، فرانك روبيو، في ۱ أكتوبر ٢٠٢٢، داخل القبة (كوبولا)، وهي “نافذة محطة الفضاء الدولية على العالم”. (فرانك روبيو/ناسا)
أربعة رجال في مواجهة المجهول
اختارت ناسا أربعة رواد فضاء لقيادة هذه المهمة التاريخية.
أربعة أسماء تحمل خلفها عقوداً من الخبرة العسكرية والعلمية والعملياتية.
على رأس الطاقم يقف راندي بريزنيك، رائد الفضاء المخضرم والضابط السابق في قوات المارينز الأمريكية.
رجل اعتاد العمل تحت الضغط، وخاض مهمات على متن مكوك الفضاء الأمريكي ومركبات سويوز الروسية، وأمضى أشهراً في الفضاء.
إلى جانبه يأتي فرانك روبيو، صاحب الرقم القياسي الأمريكي لأطول إقامة متواصلة في الفضاء بعد أن أمضى أكثر من عام كامل في المدار إثر عطل غير متوقع في مركبته.
أما أندريه دوغلاس، فسيخوض رحلته الأولى إلى الفضاء، بعد سنوات من التدريب المكثف ضمن برنامج أرتميس.
ويكتمل الفريق بالإيطالي لوكا بارميتانو، أحد أبرز رواد الفضاء الأوروبيين، والذي اشتهر عالمياً بعد نجاته من حادث كاد يودي بحياته أثناء مهمة سير فضائي عندما بدأ الماء يتسرب إلى داخل خوذته.
هؤلاء الأربعة لا يمثلون مجرد طاقم رحلة.
إنهم يمثلون الجيل الذي سيقرر ما إذا كانت البشرية قادرة على العودة إلى القمر أم لا.

يدلي رائد الفضاء في وكالة ناسا، أندريه دوجلاس، بتصريحات خلال حدث إعلامي لـ “أرتميس ٢” في كاليفورنيا في ٣۱ مارس ٢٠٢٥. (بيل إنجلز / وكالة ناسا)
سباق العمالقة
لكن خلف الكواليس، هناك معركة أخرى لا تقل أهمية.
معركة بين اثنتين من أكبر شركات الفضاء الخاصة في العالم.
سبيس إكس.
وبلو أوريجين.
كلا الشركتين تطور مركبات هبوط قمرية يفترض أن تحمل رواد الفضاء في المهمات المستقبلية من المدار القمري إلى سطح القمر.
وكلاهما حصل على عقود بمليارات الدولارات.
وكلاهما يواجه تحديات تقنية هائلة.
تواصل سبيس إكس تطوير مركبة «ستارشيب» العملاقة التي توصف بأنها أقوى نظام إطلاق فضائي تم بناؤه على الإطلاق.
وفي المقابل، تعمل بلو أوريجين على تطوير مركبة «بلو مون» التي تراهن عليها لتكون أحد أعمدة العودة إلى القمر.
لكن التأخيرات والأعطال التقنية ما زالت تلاحق المشروعين.
وهذا ما يجعل أرتميس ٣ اختباراً حقيقياً ليس فقط لناسا، بل للصناعة الفضائية بأكملها.

لوكا بارميتانو، الضابط العسكري ورائد الفضاء الإيطالي، يحضر كوميكون ٢٠٢٦. (الصورة بواسطة أندريا غولي/SOPA Images/LightRocket/Getty Images )
أخطر لحظات المهمة
في جوهر أرتميس ٣ تكمن عملية واحدة تبدو بسيطة نظرياً لكنها قد تكون الأصعب عملياً.
الالتحام الفضائي.
بعد وصول مركبة أوريون إلى المدار، ستبدأ سلسلة مناورات دقيقة للغاية.
مركبات مستقلة ستنطلق من الأرض.
أنظمة ملاحة ستعمل على تحديد مواقع أهداف تتحرك بسرعات هائلة.
وحواسيب متطورة ستنفذ حسابات لا تقبل أي هامش للخطأ.
خطأ بسيط في التوقيت.
انحراف طفيف في المسار.
أو خلل صغير في الأنظمة.
قد يكون كافياً لتحويل سنوات من التخطيط إلى فشل مدوٍ.
لهذا السبب يراقب المهندسون كل تفصيل بدقة تكاد تكون مرعبة.
فنجاح عمليات الالتحام هذه هو المفتاح الذي قد يفتح الطريق أمام أول هبوط بشري جديد على القمر.
أبعد من القمر
لكن القمر ليس الهدف النهائي.
في رؤية ناسا وشركائها الدوليين، يمثل القمر محطة انتقالية نحو أهداف أكبر بكثير.
فالمهام القمرية المستقبلية ستستخدم لاختبار تقنيات الإقامة الطويلة خارج الأرض.
وأنظمة استخراج الموارد.
وأساليب بناء القواعد الفضائية.
وكلها تقنيات ستصبح ضرورية عندما يحين وقت إرسال البشر إلى المريخ.
لهذا السبب لا ينظر المخططون إلى القمر باعتباره وجهة نهائية.
بل باعتباره منصة انطلاق نحو النظام الشمسي.
العد التنازلي بدأ
لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف ستنتهي هذه المهمة.
قد تظهر تحديات جديدة.
وقد تتأخر الجداول الزمنية.
وقد تواجه الأنظمة اختبارات لم تكن في الحسبان.
لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً.
البشرية تقف اليوم على أعتاب عصر فضائي جديد.
وفي مكان ما داخل مراكز التحكم ومختبرات التطوير ومنصات الإطلاق، تستمر عقارب الساعة في العد.
القمر ينتظر.
وأرتميس ٣ تستعد للانطلاق.
وعندما ترتفع المركبة نحو السماء حاملة أربعة مستكشفين وآمال جيل كامل، فإنها لن تختبر فقط تقنيات جديدة أو مركبات متطورة.
بل ستختبر سؤالاً أكبر بكثير:
هل ما زالت البشرية تمتلك الجرأة الكافية للعودة إلى المجهول؟
الإجابة قد تبدأ هناك…
على الطريق المؤدي إلى القمر.

يُرى وحدة طاقم “أرتميس ٣” (Artemis III) داخل مبنى نيل أرمسترونغ للعمليات والتفتيش في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا. (شاندان خانا / وكالة فرانس برس / غيتي إيماجز)









