زلزال اليابان / كارثة تضرب كوماموتو.. واستنفار وطني واسع وسط سباق لإنقاذ العالقين
شهدت اليابان واحدة من أقوى الهزات الأرضية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما ضرب زلزال عنيف بلغت قوته ٧٫١ درجات محافظة كوماموتو في جزيرة كيوشو جنوب غربي البلاد، متسببًا في أضرار واسعة، وإطلاق تحذيرات من موجات تسونامي، وانهيارات في عدد من المباني، إلى جانب تعبئة طارئة تُعد من أكبر عمليات الاستجابة للكوارث في اليابان خلال السنوات الأخيرة.
وضرب الزلزال الضحل المنطقة خلال ساعات بعد الظهر، ناشرًا اهتزازات عنيفة شعر بها سكان مساحات واسعة من جنوب غربي اليابان. وروى شهود عيان مشاهد مرعبة تمثلت في انهيار الأسقف، وتشقق الطرق، واهتزاز المباني بعنف، فيما دوّت صافرات الإنذار ورسائل الطوارئ في الهواتف المحمولة وشاشات التلفزيون ومكبرات الصوت العامة في الوقت نفسه.
تحذيرات من تسونامي في بحري أرياكي وياتسوشيرو
بعد دقائق قليلة من وقوع الزلزال، أصدرت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية تحذيرات من احتمال حدوث موجات تسونامي على سواحل بحر أرياكي وبحر ياتسوشيرو، مطالبة السكان في المناطق الساحلية بالإخلاء الفوري والتوجه إلى المناطق المرتفعة.
ورغم أن الأمواج التي رُصدت لاحقًا كانت محدودة الارتفاع، قبل أن تُرفع التحذيرات لاحقًا، شددت السلطات على أن هذه الإنذارات المبكرة تهدف إلى حماية الأرواح، إذ قد تصل موجات أكبر بعد الموجة الأولى.
وفي إطار الإجراءات الاحترازية، أُجلي مئات الآلاف من السكان من المناطق الساحلية المعرضة للخطر، بينما رفعت فرق الطوارئ مستوى الجاهزية تحسبًا لأسوأ السيناريوهات.
سباق مع الزمن لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض
خلّف الزلزال دمارًا إنشائيًا واسعًا في أنحاء محافظة كوماموتو، حيث انهارت مبانٍ سكنية وتجارية وتضررت مرافق حيوية.
ومن أكثر المشاهد مأساوية، انهيار أعقبه انفجار داخل مركز التسوق AEON في مدينة كاشيما، ما أدى إلى احتجاز عدد من الموظفين والمتسوقين تحت الأنقاض.
وسارعت فرق الإطفاء والشرطة وقوات الدفاع الذاتي اليابانية إلى جانب فرق الإنقاذ المتخصصة والكلاب البوليسية والآليات الثقيلة إلى مواقع الكارثة، في محاولة للوصول إلى الناجين وسط أكوام الخرسانة والحديد الملتوي.
كما أعلنت السلطات عن تسجيل سلسلة من الأضرار شملت:
- انهيار عدد من المباني.
- اندلاع حرائق في عدة مواقع عقب الزلزال.
- تضرر الطرق السريعة والطرق المحلية.
- انقطاع شبكات المياه والغاز في بعض المناطق.
- انهيار مدخنة في منشأة صناعية.
- وقوع عدد كبير من الإصابات التي استدعت تدخلاً طبيًا عاجلًا.
وتواصلت عمليات البحث والإنقاذ طوال اليوم، رغم تعقيد المهمة بسبب الهزات الارتدادية المتواصلة.
شلل في شبكة النقل والبنية التحتية
أصاب الزلزال شبكة النقل في جزيرة كيوشو بحالة من الشلل المؤقت، إذ أوقفت السلطات أجزاءً من شبكة قطارات شينكانسن فائقة السرعة لإجراء فحوصات عاجلة للسكك الحديدية والجسور والأنفاق.
كما تعطلت الرحلات الجوية في مطار كوماموتو، وأُغلقت طرق رئيسية لإجراء عمليات التفتيش، بينما توقفت خدمات القطارات المحلية إلى حين التأكد من سلامة البنية التحتية.
وأعلنت شركات الخدمات اللوجستية تعليق عمليات التسليم في عدد من المناطق المتضررة.
توقف مؤقت للإنتاج في مصانع كبرى
امتدت آثار الزلزال سريعًا إلى القطاع الصناعي، حيث أعلنت عدة شركات يابانية وعالمية تعليق عملياتها بشكل مؤقت، من بينها:
- تويوتا.
- هوندا.
- سوني.
- مصنع شركة TSMC لتصنيع أشباه الموصلات في كوماموتو.
وتهدف هذه الإجراءات الاحترازية إلى حماية العاملين وإجراء فحوصات هندسية دقيقة للمنشآت الإنتاجية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن أي توقف طويل في مصانع أشباه الموصلات بكوماموتو قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية لصناعة الإلكترونيات، نظرًا للدور المتنامي الذي تؤديه المنطقة في هذا القطاع الحيوي.
لا مؤشرات على طوارئ نووية
ورغم المخاوف التي أعادت إلى الأذهان كارثة فوكوشيما، أكدت السلطات اليابانية عدم تسجيل أي خلل في المنشآت النووية القريبة من منطقة الزلزال.
وباشرت الجهات المختصة عمليات تفتيش روتينية وفق بروتوكولات السلامة النووية الصارمة المعتمدة في اليابان، مؤكدة استمرار عمليات المراقبة مع تواصل الهزات الارتدادية.
إجلاء أكثر من ربع مليون شخص
أصدرت السلطات أوامر إخلاء شملت أكثر من ٢٥٠ ألف شخص في أجزاء من محافظة كوماموتو والمحافظات المجاورة.
وفُتحت مراكز الإيواء في المدارس والقاعات العامة والمراكز المجتمعية، بينما وزعت السلطات المحلية الغذاء والمياه والإمدادات الأساسية، مع تقديم الدعم لكبار السن والفئات الأكثر هشاشة.
كما دفعت قوات الدفاع الذاتي اليابانية بوحدات إضافية للمشاركة في:
- البحث والإنقاذ داخل المدن.
- الإجلاء الطبي للمصابين.
- تقييم حجم الأضرار.
- دعم الخدمات اللوجستية الطارئة.
- توزيع الغذاء والمياه والإمدادات الإنسانية.
اليابان أمام اختبار جديد لقدراتها على مواجهة الكوارث
يعيد الزلزال الأخير التذكير بموقع اليابان على حزام النار في المحيط الهادئ، أحد أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا على مستوى العالم، حيث تلتقي عدة صفائح تكتونية.
ورغم أن البلاد تشهد آلاف الهزات الأرضية سنويًا، فإن أنظمة الإنذار المبكر، ومعايير البناء المقاومة للزلازل، والتدريبات الدورية على مواجهة الكوارث، ساهمت في الحد من الخسائر البشرية مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
لكن الخبراء يؤكدون أن الزلازل الضحلة بهذه القوة تظل قادرة على إحداث دمار كبير، خصوصًا عندما تقع بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان.
ذكريات زلزال كوماموتو ٢٠١٦ تعود إلى الواجهة
أعاد الزلزال إلى أذهان سكان المنطقة ذكريات سلسلة الزلازل المدمرة التي ضربت كوماموتو عام ٢٠١٦، وأسفرت آنذاك عن سقوط عشرات الضحايا وتدمير آلاف المباني وإلحاق أضرار جسيمة بقلعة كوماموتو التاريخية.
وتجري السلطات حاليًا عمليات تفتيش دقيقة للمباني التي سبق ترميمها عقب كارثة ٢٠١٦، للتأكد من قدرتها على الصمود بعد الهزة الجديدة.
تحذيرات من هزات ارتدادية خلال الأيام المقبلة
حذرت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية من احتمال استمرار الهزات الارتدادية القوية خلال الأيام المقبلة، ما يزيد من مخاطر انهيار المباني المتضررة وحدوث انزلاقات أرضية، لا سيما في المناطق الجبلية التي شهدت أمطارًا موسمية غزيرة.
ودعت السلطات المواطنين إلى:
- الابتعاد عن المباني المتضررة.
- تجهيز حقائب الطوارئ والإمدادات الأساسية.
- متابعة التعليمات الرسمية أولًا بأول.
- البقاء في حالة تأهب لأي هزات جديدة.
اليابان تواجه الطبيعة… والعالم يترقب
بينما تتواصل عمليات البحث والإنقاذ، تتابع وسائل الإعلام العالمية والمراكز العلمية تطورات الكارثة لحظة بلحظة، في وقت يواصل فيه رجال الإنقاذ سباقهم مع الزمن للوصول إلى ناجين تحت الأنقاض.
ويؤكد هذا الزلزال مجددًا أن اليابان، رغم امتلاكها أحد أكثر أنظمة إدارة الكوارث تطورًا في العالم، تبقى في مواجهة دائمة مع قوى الطبيعة، حيث يتحول كل إنذار زلزالي إلى اختبار جديد لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود والاستجابة السريعة.









