هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة يشعل مصفاة روسية… وبوتين يعترف: روسيا تمر بـ”مرحلة صعبة”
موسكو / كييف / كراسنودار-
ارتفعت ألسنة اللهب قبل بزوغ الفجر.
أولًا دوّت صفارات الإنذار.
ثم جاءت الانفجارات.
ثم اشتعلت النار.
أعمدة هائلة من اللهب البرتقالي والأسود اخترقت ظلام جنوب روسيا، وبدت مرئية على امتداد كيلومترات، في مشهد بدا وكأنه إنذار جديد بأن الحرب الأوكرانية لم تعد محصورة عند خطوط الجبهة.
ليلة أخرى.
ضربة أخرى.
ورسالة جديدة أكثر وضوحًا.
في واحدة من أعنف العمليات بعيدة المدى التي نفذتها كييف خلال الأشهر الأخيرة، اخترقت طائرات أوكرانية مسيّرة العمق الروسي، مستهدفة منشآت حيوية للطاقة، لتشعل مصفاة نفط كبرى وتزيد الضغط على الشرايين الاقتصادية التي يعتمد عليها الكرملين.
لكن الضربة لم تكن مجرد هجوم عسكري.
لقد حملت رمزية قاسية.
فبينما كانت البنية التحتية الروسية تحترق، خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتراف نادر، معلنًا أن بلاده تمر بما وصفه بـ “مرحلة صعبة”.
عبارة قصيرة.
لكنها ربما أكثر كشفًا مما أراد الكرملين.
لأن خلف الخطاب الروسي المحسوب بدقة، بدأت الشقوق بالاتساع.
وبدأت… تحترق.
استهدفت الضربة الأخيرة مصفاة سلافيانسك-نا-كوباني الواقعة في إقليم كراسنودار جنوب روسيا، شرق شبه جزيرة القرم المحتلة. وتُعد المنشأة واحدة من أهم المراكز الصناعية في المنطقة، إذ تعالج نحو أربعة ملايين طن من النفط الخام سنويًا، وتشكل مصدرًا أساسيًا للمنتجات النفطية المصدّرة عبر موانئ البحر الأسود الروسية.
زيت الوقود.
وقود السفن.
النافثا.
منتجات تُبقي عجلة الاقتصاد الروسي والإمدادات العسكرية في حركة مستمرة.
ومع تساقط حطام المسيّرات فوق الموقع، اندلع حريق هائل داخل المنشأة. وأكدت السلطات المحلية سقوط قتيل على الأقل وعدد من الجرحى، بينما خاضت فرق الإطفاء معركة شرسة لاحتواء النيران وسط ذهول السكان الذين شاهدوا المصفاة تحترق تحت سماء الليل.
كييف لم تتأخر في إعلان مسؤوليتها.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وصف الضربات بأنها “عقوبات بعيدة المدى” وهو توصيف يلخص العقيدة العسكرية الأوكرانية الجديدة.
ليست مجرد ضربات انتقامية.
إنها حرب اقتصادية.
وقال زيلينسكي:
“عقوباتنا بعيدة المدى أصابت مصفاتين نفطيتين داخل روسيا. كل ضربة تقلّص الموارد التي تغذي آلة الحرب الروسية.“
الهدف الثاني، بحسب كييف، كان أعمق داخل الأراضي الروسية، في إقليم ياروسلافل، على بعد نحو ٧٠٠ كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
وهذه المسافة تحمل دلالة خطيرة.
فهي تعني شيئًا واحدًا:
مدى أوكرانيا يتوسع.
وهشاشة روسيا تتوسع معه.
منذ أشهر، يحذر محللون عسكريون من أن حملة المسيّرات الأوكرانية باتت أكثر تطورًا وتعقيدًا. لم تعد كييف تركز فقط على مستودعات الذخيرة أو مراكز القيادة.
بل أصبحت تضرب ما تحتاجه موسكو أكثر من أي شيء آخر للاستمرار في حرب طويلة:
الوقود.
قدرات التكرير.
ممرات النقل.
وثقة الداخل الروسي.
المنطق الاستراتيجي قاسٍ وواضح.
إذا لم تستطع روسيا نقل الوقود بسهولة…
فلن تستطيع نقل الحرب بسهولة.
والتداعيات بدأت تنتشر.
في القرم المحتلة، علّقت السلطات الموالية للكرملين بيع البنزين للمدنيين مؤخرًا بعد أن عطّلت الضربات المتكررة طرق الإمداد، ما تسبب بأسوأ أزمة طاقة تشهدها شبه الجزيرة منذ ضمها عام ٢٠١٤.
لكن الأزمة لم تعد محصورة هناك.
بل امتدت إلى مسافات أبعد بكثير.
في منطقة إيركوتسك بسيبيريا، على بعد آلاف الكيلومترات من أوكرانيا، بدأ تقنين الوقود رسميًا. وأصبح السائقون في المحطات الحكومية محدودين بشراء ٥٠ لترًا يوميًا فقط، فيما فرضت شبكات خاصة قيودًا أكثر تشددًا.
رسالة مقلقة تتشكل بوضوح.
الارتدادات الاقتصادية للحرب لم تعد إقليمية.
لقد أصبحت وطنية.
في هذا السياق، خاطب بوتين أعضاء حزب روسيا الموحدة محاولًا إظهار الثبات، لكنه لم يستطع تجاهل حجم الضغوط.
قال بوتين:
“نحن نمر بمرحلة صعبة.“
تصريح محسوب…
لكنه نادر الصراحة.
وعد بوتين بالمزيد من الطرق والمساكن وفرص العمل والدعم الاقتصادي. لكن خلف تلك الوعود يبرز تحدٍ متصاعد:
كيف تموّل روسيا حربًا مكلفة…
من دون أن تهتز جبهتها الداخلية؟
وذلك التحدي يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أكد أن موسكو تراجع اتفاقيات تصدير الوقود لضمان عدم تأثر الاحتياجات المحلية.
والترجمة المباشرة لذلك واضحة:
روسيا تحت ضغط.
ضغط شديد.
لكن ساحة المعركة لا تزال بلا رحمة للطرفين.
فبينما اخترقت المسيّرات الأوكرانية المجال الجوي الروسي، أطلقت موسكو موجة جديدة من الصواريخ والطائرات بعيدة المدى على الأراضي الأوكرانية.
القصف الليلي طال مناطق عدة.
في زابوريجيا جنوب أوكرانيا، قتلت قنبلة روسية مدنيين وأصابت آخرين، بينهم أطفال.
وفي منطقة بيلغورود الروسية الحدودية، تسببت ضربات أوكرانية بمقتل وإصابة مدنيين أيضًا.
الأرقام وحدها تكشف حجم التصعيد.
تقول موسكو إنها اعترضت ٢١٣ طائرة مسيّرة أوكرانية خلال ليلة واحدة فوق الأراضي الروسية والقرم والبحرين الأسود وآزوف.
في المقابل، تؤكد كييف أن روسيا أطلقت ١٤٢ مسيّرة هجومية وثمانية صواريخ ردًا على الهجمات.
سماء أوروبا الشرقية لم تعد مجرد ساحة نزاع.
لقد أصبحت مشبعة بالنيران.
ومؤتمتة بصورة متزايدة.
حرب المسيّرات غيّرت كل شيء.
رخيصة بما يكفي لإطلاقها بأعداد ضخمة.
دقيقة بما يكفي لشل البنية التحتية الاستراتيجية.
ومرعبة بما يكفي لنشر الخوف بعيدًا عن خطوط النار.
لم تعد المعركة مجرد مدفعية في مواجهة الدروع.
لقد أصبحت:
خوارزميات في مواجهة الصناعة.
آلة في مواجهة آلة.
قدرة على الصمود في مواجهة الانهيار.
ومع دخول الحرب عامها الخامس، تواجه كييف وموسكو حقيقة لا يمكن تجاهلها.
النصر قد لا يُحسم بالسيطرة على الأرض وحدها.
قد يُحسم بالطاقة.
بسلاسل الإمداد.
وبالسؤال الأخطر:
من سينفد أولًا؟
هذه الليلة، لا يزال عمال المصفاة في جنوب روسيا ينقّبون بين الرماد.
وفوق البحر الأسود، تبقى أنظمة الدفاع الجوي في أعلى درجات التأهب.
أما داخل الكرملين…
فثمة حقيقة بات إنكارها أصعب من أي وقت مضى.
المسيّرات الأوكرانية لم تعد مجرد أسلحة.
إنها رسائل.
تحذيرات.
وكل ضربة تحمل الرسالة ذاتها،
لكن بصوت أعلى من سابقتها.
قد تحتفظ روسيا بالأرض…
لكن الحرب، شيئًا فشيئًا،
بدأت تعود إلى الداخل.









