دوري شمعون… من شظية الحرب في لندن إلى معركة السيادة في لبنان
رحل في التاسعة والتسعين؟ لا.
رحل دوري كميل شمعون في ١٤ أيلول ٢٠٢٦ عن ٩٤ عاماً، منهياً مسيرة سياسية لبنانية امتدت عقوداً، حمل خلالها إرث والده الرئيس كميل شمعون، وواجه الحرب والاغتيالات والنفي والوصاية السورية، وصولاً إلى قلب معركة “ثورة الأرز”.
لم يكن رحيله مجرد وفاة سياسي سابق، بل إغلاق صفحة من تاريخ لبنان السياسي الحديث.
من لندن تحت القصف… إلى لبنان
وُلد دوري شمعون في دير القمر في ٨ تشرين الثاني ١٩٣١، وهو الابن الأكبر للرئيس كميل شمعون وشقيق داني شمعون. نشأ في بيت سياسي استثنائي، لكن طفولته لم تكن بعيدة عن أحداث العالم الكبرى.
عندما كان والده سفيراً للبنان في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، عاش دوري وشقيقه داني أجواء لندن تحت القصف الألماني. وتروي رواية لبنانية عن تلك المرحلة أن دوري خرج بدراجته الهوائية بعيداً عن أعين والديه، قبل أن تصيبه شظية خلال القصف ويعود مذعوراً إلى المنزل.
وتروي الرواية نفسها أن إغلاق المدارس في لندن دفع مسؤولاً بريطانياً ” تشرشل ” إلى التدخل لتأمين مدرسة للأخوين، بعدما علم أن السفير اللبناني لديه ولدان بلا مدرسة. وهي قصة عائلية/صحافية متداولة تضيف بعداً استثنائياً إلى طفولة رجل وُلد في قلب عائلة سياسية لبنانية وفي زمن كانت فيه أوروبا نفسها تعيش تحت النار.
ابن الرئيس… لكنه اختار طريقه
درس دوري القانون التجاري وعمل في مجال الأعمال قبل أن ينخرط مباشرة في السياسة. وفي عام ١٩٧٥ تولى منصب الأمين العام لحزب الوطنيين الأحرار، الحزب الذي أسسه والده كميل شمعون.
لكن المحطة التي غيّرت حياته جاءت في عام ١٩٩٠.
في ٢١ تشرين الأول، اغتيل شقيقه داني شمعون في منزله في بعبدا مع زوجته إنغريد عبد النور وطفليه طارق وجوليان. وبعد هذه الجريمة، وجد دوري نفسه أمام مسؤولية قيادة الحزب في واحدة من أكثر مراحل لبنان اضطراباً.
منذ ذلك الوقت، لم يعد مجرد نجل رئيس جمهورية سابق؛ أصبح هو نفسه أحد وجوه المعارضة اللبنانية للوجود السوري.
في وجه الوصاية السورية
قاد دوري شمعون حزب الوطنيين الأحرار خلال مرحلة كانت فيها قوى سياسية وشخصيات لبنانية عديدة خارج البلاد أو خارج المشهد السياسي.
وبحسب مصادر لبنانية، كان من الشخصيات التي رفضت الانخراط في ترتيبات سياسية مرتبطة بالنفوذ السوري، واستمر في موقفه المعارض رغم محدودية إمكانات حزبه والضغوط التي أحاطت بالمعارضة اللبنانية آنذاك.
وتتداول رواية منسوبة إلى مجالسه أنه عُرضت عليه، عبر الوزير الراحل محسن دلول، ترتيبات سياسية مصدرها عبد الحليم خدام، تتضمن كتلة نيابية ووزارية مع ضمان تأمين كل شيء، لكنه رفض العرض قائلاً، بحسب الرواية: “مش عايزن… بدي ضل ناضل ليفلوا من لبنان”.
هذه الرواية تُقدَّم في المصادر المحلية كشهادة على شخصيته السياسية، ولا تتوافر في المصادر الدولية التي راجعناها وثيقة مستقلة تثبت تفاصيل العرض كما وردت.
من قرنة شهوان إلى “ثورة الأرز”
برز اسم دوري شمعون في لقاء قرنة شهوان، الذي أصبح أحد الأطر الأساسية للمعارضة المسيحية للوجود السوري، قبل أن تتسع المعارضة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام ٢٠٠٥ وتتحول إلى موجة شعبية وسياسية عُرفت باسم ثورة الأرز.
وكان حزب الوطنيين الأحرار، إلى جانب قوى وشخصيات معارضة أخرى، جزءاً من المشهد السيادي الذي طالب بخروج القوات السورية واستعادة القرار اللبناني.
وتشير مصادر لبنانية إلى أن مركز الحزب في السوديكو كان من المواقع التي احتضنت اجتماعات وشخصيات معارضة في تلك المرحلة، فيما شارك شمعون في التحركات السياسية والشعبية التي سبقت مرحلة ٢٠٠٥ وبعدها. كما توصف «قرنة شهوان» في مصادر لبنانية بأنها أحد المكونات التي ساهمت في الطريق إلى ثورة الأرز وخروج القوات السورية من لبنان.
من البلدية إلى مجلس النواب
لم يبدأ حضور دوري شمعون السياسي من البرلمان.
ففي ١٩٩٨ انتُخب رئيساً لبلدية دير القمر، وبقي في هذا الموقع حتى ٢٠٠٨ تقريباً، قبل أن يعود إلى الواجهة البرلمانية.
وفي انتخابات ٢٠٠٩ انتُخب نائباً عن دائرة الشوف، وشغل المقعد حتى عام ٢٠١٨.
وهنا ظهر وجه آخر لشخصيته: سياسي ينتمي إلى واحدة من أشهر العائلات اللبنانية، لكنه حافظ على أسلوب مباشر وبسيط في التعامل مع الناس، وهو ما جعل بعض خصومه يعتبرونه حاداً، فيما رأى أنصاره في ذلك صراحة لا تقبل المساومة.
الشمعونية… والمصالحة في الجبل
رغم التاريخ السياسي الحافل بالتوتر بين بعض القوى المسيحية والدروز، ظل دوري شمعون يكرر أهمية الحفاظ على مصالحة الجبل.
العلاقة مع آل جنبلاط لم تكن بالنسبة إليه مجرد تحالف انتخابي أو سياسي؛ فقد كان يعتبر أن استقرار الجبل وتعايش مكوناته أهم من الحسابات الحزبية الآنية.
وهذا الموقف اكتسب أهمية خاصة في ظل إرث الحرب اللبنانية والانقسامات التي تركتها في الشوف والجبل.
لم يستثمر اسم والده؟
كان يمكن لدوري شمعون أن يعيش على اسم والده.
فهو ابن رئيس جمهورية سابق، وشقيق سياسي اغتيل، ورئيس حزب تاريخي، وصديق شخصيات وملوك عرب، ووريث اسم سياسي ثقيل في لبنان.
لكن الصورة التي بقيت عنه، حتى لدى عدد من منتقديه، أنه لم يتعامل مع علاقاته السياسية والشخصية كوسيلة للثراء أو للحصول على المناصب.
وتصفه شهادات لبنانية حديثة بأنه كان مباشراً، متواضعاً وصريحاً إلى حد الخشونة أحياناً، وهي صفات جعلته يبدو مختلفاً عن الصورة التقليدية للسياسي اللبناني. كما وصفته مصادر لبنانية حديثة بأنه رجل صاحب مواقف ثابتة، حتى عندما تراجع نفوذ حزبه السياسي.
بعد ثلاثة عقود… سلّم الراية
في عام ٢٠٢١ انتقلت رئاسة حزب الوطنيين الأحرار إلى نجله كميل دوري شمعون، منهياً مرحلة طويلة قاد خلالها دوري الحزب منذ أعقاب اغتيال شقيقه داني.
وهكذا خرج تدريجياً من الحياة السياسية اليومية، بعدما أمضى أكثر من ثلاثة عقود في قيادة الحزب.
لكن اسمه بقي مرتبطاً بثلاثة عناوين كبرى: إرث كميل شمعون، مأساة داني شمعون، ومعركة السيادة اللبنانية.
النهاية في دير القمر
في 14 أيلول ٢٠٢٦، أُعلن رحيل دوري شمعون عن ٩٤ عاماً.
توالت بيانات النعي من شخصيات سياسية وحزبية لبنانية، فوُصف بأنه رجل تمسّك بالسيادة والاستقلال، وأن لبنان خسر شخصية ارتبط اسمها بمرحلة طويلة من تاريخه السياسي. كما نعاه الرئيس سعد الحريري والنائب أشرف ريفي وشخصيات أخرى، فيما أشادت الرابطة المارونية بمواقفه في الدفاع عن الحرية والسيادة والاستقلال.
وتقام مراسم الجنازة يوم الخميس ١٧ أيلول ٢٠٢٦ عند الثالثة بعد الظهر في كنيسة سيدة التلة في دير القمر، قبل أن يوارى في مدافن العائلة.
رحل دوري شمعون كما عاش سياسياً: محاطاً بتاريخ عائلي ثقيل، وبذاكرة لبنانية مثقلة بالحرب والاغتيالات والانقسامات، لكنه ترك وراءه اسماً ارتبط، لأكثر من ثلاثة عقود، بمعركة واحدة لم يتخلَّ عنها: لبنان السيد، الحر والمستقل.









