روسيا تشنّ أكبر هجوم بالصواريخ الباليستية منذ بداية الحرب… ودفاعات أوكرانيا تدخل أخطر اختبار
موجة نارية غير مسبوقة تضرب العاصمة الأوكرانية… نقص صواريخ “باتريوت” يثير القلق، والحرب تدخل مرحلة أكثر خطورة
كييف –
قبل أن يبزغ فجر الأحد فوق العاصمة الأوكرانية، دوّت صفارات الإنذار مجددًا في سماء كييف…
ثم بدأت الانفجارات.
في واحدة من أعنف الليالي منذ اندلاع الحرب، أمطرت روسيا العاصمة الأوكرانية بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية، فيما وصفته السلطات الأوكرانية بأنه أكبر هجوم بالصواريخ الباليستية على كييف منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط ٢٠٢٢.
تحولت أحياء سكنية كاملة إلى ساحات من النار، وهرعت فرق الإنقاذ لانتشال المدنيين من المباني المشتعلة، بينما قضت آلاف العائلات ساعات طويلة داخل الملاجئ، في وقت كانت فيه الدفاعات الجوية تخوض سباقًا مع الزمن لاعتراض أخطر موجة صاروخية تشهدها العاصمة منذ سنوات.
لكن خلف هذا المشهد الدامي، يبرز خطر استراتيجي أكبر؛ إذ تواجه أوكرانيا نقصًا متزايدًا في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، وهي المنظومة الغربية الأكثر قدرة على إسقاط الصواريخ الباليستية الروسية.
أكبر ضربة باليستية روسية منذ اندلاع الحرب
بحسب سلاح الجو الأوكراني ووزير الخارجية أندري سيبيها، أطلقت روسيا خلال الليل:
- ٤١ صاروخًا بمختلف الأنواع.
- موجات متزامنة من الطائرات المسيّرة استهدفت عدة مناطق أوكرانية.
وأعلنت القوات الأوكرانية أنها تمكنت من:
- إسقاط ١٨ صاروخًا.
- تدمير عدد من المسيّرات.
- إلا أن العديد من الصواريخ الباليستية نجحت في اختراق الدفاعات الجوية والوصول إلى أهدافها.
ويؤكد الخبراء أن الصواريخ الباليستية تختلف عن صواريخ “كروز”، إذ تتحرك بسرعات فرط صوتية خلال أجزاء من مسارها، ما يمنح أنظمة الدفاع الجوي ثوانٍ معدودة فقط لاعتراضها.
دمار واسع في ست مناطق من العاصمة
الهجوم خلّف آثارًا مدمرة في ستة أحياء رئيسية في كييف، وشملت الأضرار:
- مباني سكنية.
- منازل خاصة.
- منشآت صناعية.
- مكاتب إدارية.
- مساكن جامعية.
- سيارات مدنية.
وأكدت السلطات مقتل شخص واحد على الأقل، وإصابة ١٦ آخرين، مع استمرار عمليات البحث بين الأنقاض، وسط توقعات بارتفاع عدد الضحايا.
حرائق متزامنة في أنحاء كييف
خاض رجال الإطفاء معركة استمرت ساعات لإخماد الحرائق التي اندلعت في عدة مناطق.
وفي حي سفياتوشينسكي، تمكنت فرق الإنقاذ من إخراج أربعة أشخاص كانوا محاصرين داخل منزل التهمته النيران.
أما في حي شيفتشينكيفسكي، فقد أُجلي سكان مبنى سكني مكوّن من ثلاثة طوابق بعد اشتعال النيران فيه بالكامل.
كما اندلعت حرائق أخرى في أحياء:
- سولوميانسكي
- دنيبرو
- ديسنيانسكي
وأظهرت الصور الرسمية مباني متفحمة، وأسقفًا منهارة، وسيارات محترقة، وأعمدة دخان كثيفة غطّت أجزاء واسعة من العاصمة.
“هجوم إرهابي وحشي“
وصف وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها الهجوم بأنه:
“هجوم إرهابي وحشي استهدف العاصمة الأوكرانية.”
ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على موسكو، وتشديد العقوبات، وتسريع الدعم العسكري.
وقال:
“نحتاج إلى ضغوط مدمرة على موسكو لوقف هذا الإرهاب.”
من جانبه، شدد الرئيس فولوديمير زيلينسكي على أن حماية المدن من الصواريخ الباليستية أصبحت الأولوية المطلقة.
وقال:
“الاعتراضات الصاروخية مطلوبة كل يوم… فحماية أوكرانيا من الصواريخ الباليستية تبقى على رأس أولوياتنا.”
أزمة صواريخ “باتريوت” تدخل مرحلة حرجة
يرى محللون عسكريون أن الهجوم الأخير كشف عن أخطر نقطة ضعف تواجه أوكرانيا في الوقت الحالي.
فالصواريخ الباليستية الروسية لا يمكن اعتراضها بفعالية إلا عبر أنظمة دفاع متطورة مثل:
- Patriot PAC-3
- SAMP/T
- وبعض الأنظمة الغربية الحديثة الأخرى.
ورغم امتلاك كييف عددًا محدودًا من بطاريات “باتريوت”، فإن المشكلة الأكبر تكمن في النقص المتزايد في الصواريخ الاعتراضية نفسها بعد أشهر طويلة من القصف الروسي المكثف.
وتشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن موسكو تتبع استراتيجية تقوم على استنزاف مخزون أوكرانيا من الصواريخ الدفاعية قبل تنفيذ هجمات باليستية واسعة النطاق، وهو ما يبدو أنه تحقق جزئيًا خلال الهجوم الأخير.
واشنطن تلوّح بخطة لإنتاج صواريخ “باتريوت” داخل أوكرانيا
في تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا أن إدارته مستعدة لمنح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية محليًا.
ورغم عدم الإعلان عن جدول زمني واضح، فإن المشروع قد يمنح كييف قدرة دفاعية أكبر على المدى الطويل.
إلا أن خبراء الدفاع يحذرون من أن تنفيذ الخطة يتطلب:
- نقل التكنولوجيا.
- إنشاء خطوط إنتاج متخصصة.
- تدريب كوادر فنية.
- أشهرًا وربما سنوات قبل الوصول إلى إنتاج فعلي.
وفي الوقت الراهن، تبقى الحاجة الملحة هي تأمين صواريخ جاهزة للاستخدام فورًا.
روسيا توسّع ضغطها على عدة جبهات
لم تقتصر الضربات الروسية على كييف.
ففي مقاطعة دنيبروبتروفسك، أسفرت هجمات بطائرات مسيّرة عن مقتل مدني قرب خطوط المواجهة.
أما في زابوريجيا، فقد استهدفت مسيّرة روسية قطارًا لنقل الركاب، ما أدى إلى مقتل سائق القطار، بينما أظهرت الصور عربات محترقة وأضرارًا كبيرة.
أوكرانيا ترد في البحر الأسود
ورغم الهجوم العنيف، واصلت أوكرانيا عملياتها الهجومية.
وأعلنت كييف استهداف ناقلتي نفط روسيتين في البحر الأسود، ضمن استراتيجيتها الرامية إلى قطع خطوط الإمداد المتجهة إلى شبه جزيرة القرم.
وخلال العام الماضي كثفت القوات الأوكرانية هجماتها ضد:
- مستودعات الوقود.
- القواعد البحرية.
- الجسور.
- خطوط السكك الحديدية.
- سفن الإمداد.
في محاولة لإضعاف القدرات اللوجستية الروسية جنوب البلاد.
توتر سياسي داخل كييف
يتزامن التصعيد العسكري مع اضطرابات سياسية داخلية غير معتادة.
فقد أثار قرار الرئيس زيلينسكي إجراء تعديل وزاري شمل استبدال وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف موجة انتقادات من شخصيات سياسية، وعسكريين، وجنود على الجبهة.
ويرى المنتقدون أن تغيير القيادة العسكرية في هذا التوقيت قد يؤثر سلبًا على إدارة العمليات، بينما تؤكد الحكومة أن إعادة الهيكلة تهدف إلى تحسين الأداء خلال الحرب.
الحملة الصاروخية الروسية تدخل مرحلة جديدة
يرى مراقبون عسكريون أن موسكو كثفت خلال شهر يوليو استخدام الصواريخ الباليستية، إلى جانب تكتيكات هجومية أكثر تعقيدًا.
وتشمل الأسلحة المستخدمة:
- صواريخ إسكندر الباليستية.
- صواريخ كينجال الفرط صوتية.
- أسراب من الطائرات المسيّرة الانتحارية.
- هجمات مركبة تجمع بين المسيّرات والصواريخ في وقت واحد.
ويهدف هذا الأسلوب إلى إغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية وإجبارها على استهلاك مخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية قبل وصول الموجات الرئيسية.
الغرب يراقب بقلق
تواصل أجهزة الاستخبارات الغربية متابعة تطور القدرات الصاروخية الروسية، وسط مؤشرات على أن موسكو نجحت في إعادة بناء جزء كبير من ترسانتها رغم العقوبات الغربية.
وتشير تقديرات أوروبية إلى زيادة الإنتاج الروسي من:
- الصواريخ الباليستية.
- صواريخ كروز.
- الطائرات المسيّرة من طراز “شاهد” المصنعة بتكنولوجيا إيرانية.
- الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى.
وفي المقابل، تواصل دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) مناقشة سبل تسريع تسليم أنظمة الدفاع الجوي إلى أوكرانيا، إلا أن محدودية المخزونات لدى الدول الغربية لا تزال تمثل عقبة رئيسية.
الحرب تدخل مرحلة أكثر خطورة
بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب، لم تعد المعركة تُحسم فقط على خطوط الجبهة، بل أصبحت تدور أيضًا حول سباق الإنتاج الصناعي للصواريخ، والقدرة على اعتراضها.
فكل هجوم روسي جديد يختبر قدرة أوكرانيا على الصمود، فيما يعتمد إنقاذ المدن والسكان على عدد متناقص من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية.
الهجوم غير المسبوق على كييف يؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الاستنزاف الصناعي والعسكري، والصراع على التفوق في مجال الصواريخ والدفاع الجوي.
أما بالنسبة لملايين الأوكرانيين، فلا يزال المشهد يتكرر بلا نهاية: ليالٍ طويلة تحت صفارات الإنذار، وصباحات تبدأ بإحصاء الضحايا والدمار، فيما يبقى السلام هدفًا بعيد المنال.










